محمد بن جرير الطبري

137

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله : ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر . . . الآية ، قال : الذكر : التوراة ، والزبور : الكتب . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول ، في قوله : ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر . . . الآية ، قال : الذكر : التوراة ، ويعني بالزبور من بعد التوراة : الكتب . وقال آخرون : بل عني بالزبور زبور داود ، وبالذكر توراة موسى صلى الله عليهما . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا عبد الوهاب ، قال : ثنا داود ، عن عامر أنه قال في هذه الآية : ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر قال : زبور داود . من بعد الذكر : ذكر موسى التوراة . حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا ابن أبي عدي ، عن داود ، عن الشعبي ، أنه قال في هذه الآية : ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر قال : في زبور داود ، من بعد ذكر موسى . وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب في ذلك ما قاله سعيد بن جبير ومجاهد ومن قال بقولهما في ذلك ، من أن معناه : ولقد كتبنا في الكتب من بعد أم الكتاب الذي كتب الله كل ما هو كائن فيه قبل خلق السماوات والأرض . وذلك أن الزبور هو الكتاب ، يقال منه : زبرت الكتاب وذبرته : إذا كتبته ، وأن كل كتاب أنزله الله إلى نبي من أنبيائه ، فهو ذكر . فإذ كان ذلك كذلك ، فإن في إدخاله الألف واللام في الذكر ، الدلالة البينة أنه معني به ذكر بعينه معلوم عند المخاطبين بالآية ، ولو كان ذلك غير أم الكتاب التي ذكرنا لم تكن التوراة بأولى من أن تكون المعنية بذلك من صحف إبراهيم ، فقد كان قبل زبور داود . فتأويل الكلام إذن ، إذ كان ذلك كما وصفنا : ولقد قضينا ، فأثبتنا قضاءنا في الكتب من بعد أم الكتاب ، أن الأرض يرثها عبادي الصالحون يعني بذلك : أن أرض الجنة يرثها عبادي العاملون بطاعته المنتهون إلى أمره ونهيه من عباده ، دون العاملين بمعصيته منهم المؤثرين طاعة الشيطان على طاعته . ذكر من قال ذلك :